فتاوى ابن باز
وعند التفصيل تكون أنواع التوحيد ثلاثة:
توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات ، فتوحيد الربوبية أقرّ به المشركون ولم ينكروه، لكنهم لم يدخلوا به في الإسلام؛ لأنهم لم يخصوا الله بالعبادة، ولم يقروا بتوحيد الإلهية، بل أقروا بأن ربهم هو الخالق الرازق، وأن الله هو ربهم، ولكنهم لم يوحدوه بالعبادة، فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يخلصوا العبادة لله وحده.
فتوحيد الربوبيه، معناه: الإقرار بأفعال الرب، وتدبيره للعالم، وتصرفه فيه، هذا يسمى: توحيد الربوبية، وهو الاعتراف بأنه الخلاّق الرزاق مدبر الأمور ومصرفها، يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذلّ، ويحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وهذا في الجملة أقرّ به المشركون، كما قال سبحانه:
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 35)
وقال سبحانه:
فهم معترفون بهذه الأمور، لكنهم لم يستفيدوا من هذا الإقرار في توحيد الله بالعبادة، وإخلاصها له سبحانه وتعالى، بل اتخذوا معه وسائط، وزعموا أنها شفعاء وأنها تقربهم إلى الله زلفى، كما قال تعالى:
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 36)
وعُرِف بهذا أنهم لم يعتقدوا أن آلهتهم تنفع وتضر، وتحيي وتميت، وترزق وتعطي وتمنع، وإنما عبدوهم ليشفعوا لهم وليقربوهم إلى الله زلفى، فاللات والعزى ومناة والمسيح ومريم والصالحون من العباد، كل هؤلاء ما عبدهم المشركون الأولون، لأنهم ينفعون ويضرون، بل عبدوهم لأنهم يرجون شفاعتهم، وأن يقربوهم إلى الله زلفى، فحكم الله عليهم بالشرك في قوله تعالى:
وقد دعاهم صلى الله عليه وسلم عشر سنين يقول لهم:
وهذا النوع الذي أقر به المشركون هو توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله من خلق ورزق وتدبير وإحياء وإماتة وغير ذلك من أفعاله سبحانه كما سبق.
وهو حجة عليهم في إنكارهم توحيد الله بالعبادة، لأنه يستلزمه، ويدل
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 37)
عليه ويوجبه. فلهذا أقام الله الحجة عليهم بهذا الإقرار فقال:
ومن تدبر هذا الأمر الذي أقروا به، استفاد لو عقل أن هذا المتصف بهذه الصفات هو المستحق لأن يعبد، ما دام هو الخلاق وهو الرزاق وهو المحيي وهو المميت وهو المعطي وهو المانع وهو المدبر للأمور، وهو العالم بكل شيء والقادر على كل شيء، فكيف تصرف العبادة لغيره، بل كيف يرجى غيره، ويخاف غيره، لو عقل أولئك الكفار، ولكنهم لا يعقلون:
ثم إنه سبحانه أظهر نبيّه، وأعزّ دينه، وقهر الأعداء، فغزاهم صلى الله عليه وسلم يوم
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 38)
الفتح، ونصره الله عليهم، وفتح بلادهم، ودخلوا في دين الله أفواجًا، وعند ذلك أظهر عليه الصلاة والسلام توحيد الإلهية، وقبله الناس، ودخلوا في الحق، ثم قامت ضده هوازن ، وأهل الطائف . فأظهره الله عليهم، وشتت شملهم، واستولى عليه الصلاة والسلام على نسائهم وذرياتهم وأموالهم، وجعل الله العاقبة والنصر لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولعباده المؤمنين فالحمد لله على ذلك.
والنوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات ، وهو أيضًا من جنس توحيد الربوبية، قد أقروا به وعرفوه. وتوحيد الربوبية يستلزمه؛ لأن من كان هو الخلاق الرزاق والمالك لكل شيء، فهو المستحق لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا تدركه الأبصار وهو السميع العليم، كما قال سبحانه:
النوع الثالث: هو توحيد الله بالعبادة وهو معنى لا إله إلاّ الله ، فإن معناها لا معبود حق إلاّ الله، فهي تنفي العبادة بجميع أنواعها عن غير الله، وتثبتها لله وحده سبحانه وتعالى.
وهذه الكلمة هي أصل الدين وأساسه كله، وهي الكلمة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم قومه، ودعا إليها عمه أبا طالب فلم يسلم ومات على دين قومه.
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 39)
وقد أوضح الله معناها في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم، منها قوله سبحانه
فالله سبحانه وتعالى هو الحق، وله دعوة الحق، وعبادته هي الحق دون كل ما سواه سبحانه وتعالى، فلا يستغاث إلاّ به، ولا ينذر إلاّ له، ولا يتوكل إلاّ عليه، ولا يطلب الشفاء إلاّ منه، ولا يطاف إلاّ ببيته العتيق، إلى غير هذا من أنواع العبادة، وهو الحق ودينه الحق سبحانه وتعالى، ومن أتقن هذه الأنواع الثلاثة: أعني أنواع التوحيد، وحفظها واستقام على معناها، علم أن الله هو الواحد حقًّا، وأنه هو المستحق للعبادة دون جميع خلقه، ومن ضيّع واحدًا منها أضاع الجميع فهي متلازمة، لا إسلام إلاّ بها جميعًا، ومن أنكر صفات الله وأسماءه، فلا دين له، ومن زعم أن مع الله مصرِّفًا للكون يدبر الأمور، فهو كافر مشرك في الربوبية بإجماع أهل العلم.
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 40)
ومن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، ولكن لم يعبد الله وحده، بل عبد معه سواه من المشايخ أو الأنبياء أو الملائكة أو الجن أو الكواكب أو الأصنام أو غير ذلك فقد أشرك بالله وكفر به سبحانه، ولا تنفعه بقية الأقسام لا توحيد الربوبية، ولا توحيد الأسماء والصفات، حتى يجمع بين الثلاثة، فيقر بأن الله ربه هو الخالق الرازق المالك لجميع الأمور، ويقر بما كفر به المشركون، وحتى يؤمن بأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شبيه له، ولا شريك له، كما قال عز وجل:
الثالث: وهو توحيد العبادة، هو معنى لا إله إلاّ الله، وهو الأساس العظيم لدعوة الرسل لأن النوعين الآخرين لم ينكرهما المشركون كما تقدم، وإنما أنكروا هذا النوع وهو توحيد العبادة، لما قال لهم: قولوا لا إله إلاّ الله، قالوا:
وهذا النوع هو توحيد العبادة، وهو الذي أنكره المشركون الأولون ، وينكره المشركون اليوم، ولا يؤمنون به، بل عبدوا مع الله سواه، فعبدوا
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 41)
الأشجار والأحجار وعبدوا الأصنام، وعبدوا الأولياء والصالحين، واستغاثوا بهم، ونذروا لهم وذبحوا لهم، إلى غير هذا مما يفعله عبّاد القبور وعبّاد الأصنام والأحجار وأشباههم، وهم بذلك مشركون كفار، إذا ماتوا على ذلك لم يغفر لهم، كما قال سبحانه:
فلا بد من تحقيق هذا النوع، وإفراد الله بالعبادة ونفي الإشراك به سبحانه وتعالى، والاستقامة على ذلك، والدعوة إليه، والموالاة فيه، والمعاداة عليه، وبسبب الجهل بهذا النوع، وعدم البصيرة فيه يقع الناس في الشرك، ويحسبون أنهم مهتدون، كما قال عز وجل:
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 42)
أهل العلم، وعلى طلاب العلم: أن يعنوا بهذا النوع أعظم عناية؛ لكثرة الجهل به، ووقوع أكثر الخلق في ضده.
أما النوعان الآخران: فهما بحمد الله من أوضح الأشياء وأبينها، لكن هذا النوع أعني: توحيد العبادة يشتبه على أكثر الناس بسبب الشبه الكثيرة التي يروجها أعداء الله، ويلبسون بها على كثير من الناس، والأمر فيها بحمد الله واضح لمن نوَّر الله بصيرته وهي شبه باطلة لا وجه لها.
فالحق واضح أبلج، وهو وجوب إخلاص العبادة لله وحده، دون كل ما سواه، كما قال عز وجل:
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 43)
أن واحدًا منهم أو غيرهم يصلح للعبادة، وأنه لا بأس أن يدعى من دون الله، ولا بأس أن يستغاث به صار كافرًا، وإن لم يفعل شيئًا.
وهكذا لو اعتقد أنهم يعلمون الغيب، أو يتصرفون في الكون كان كافرًا بهذا الاعتقاد، عند جميع أهل العلم، فكيف إذا دعاهم من دون الله، أو استغاث بهم أو نذر لهم فإنه يكون بذلك مشركًا شركًا أكبر.
وهكذا إذا سجد لهم أو صلى لهم أو صام لهم صار بذلك مشركًا شركًا أكبر، نسأل الله السلامة من ذلك .
.jpg)
0 التعليقات :
إرسال تعليق